مقدمة النسخة العربية
سلامة فنانّي وفنانات وعاملي وعاملات الفنون في المنطقة العربية: عن إلهام وإهمال هذه البقعة من العالم
طوت المنطقة العربية خلال السنوات الماضية عقداً مفصلياً على صعيد الحياة العامة كان قد بدأ في العام 2010 مع مسارٍ قاده مواطنو ومواطنات وناشطو وناشطات هذه المنطقة للبحث عن حياةٍ أفضل قوامها الحرية والعدالة والكرامة.
وإذ نستذكر اليوم هذا العقد يرتسم أمامنا دون أي جهدٍ يذكر مشهد وشعور ذو مزيجٍ مركبٍ عن هذه المرحلة التاريخية، قوامها التضحيات والإنجازات الكبيرة التي تم بذلها من مختلف فئات المجتمع، مصحوبة بإرهاق وإحباط صعوبة تأمل واقعٍ أفضل نتيجة للثورات المضادة، والانهيار العام في قوام دول المنطقة، وتراجع مؤشرات الاستقرار، وازدياد معدلات الفقر والبطالة والعنف، وتعامل العالم مع معاناة مواطني ومواطنات المنطقة العربية على أنها أمرٌ مسلمٌ به، ومحاولة التطبيع مع هذه الفكرة.
في قلب هذا التغيير العاصف والذي قدّم فيه الملايين تضحياتٍ لمواجهة عنف الدول والحكومات المنظّم والوقوف في وجه تصاعد العنف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والجندري والبيئي، كان هناك إصرارٌ لدى جيلٍ جديدٍ من المدافعين والمدافعات عن قيم ثورات وانتفاضات وحراكات المنطقة العربية لرفض الإحباط، والسعي إلى الربط بين التغيير على مستوى المنظومات الحاكمة والمنظومات القيمية والاجتماعية ومواجهة الذكورية والسلطوية ومناخات القمع والإقصاء مهما كان مصدرها. وهنا أتيح لنا ضمن هذا الحراك الذي قادته مختلف القطاعات المدنية أن نتعرف على مساهمات وممارسات جيلٍ من الفنانين والفنانات والعاملين والعاملات في الثقافة والفنون.
أتى هذا الجيل من مناطق لم نتعرف عليها كفايةً، ومن مجالاتٍ لم نألفها، وسعوا إلى الوصول إلى مساحاتٍ جديدة في العلاقة مع الجماهير ومع مفاهيم التغيير، وكانوا بممارساتهم الراديكالية في الكثير من أوجهها يحاولون التذكير أن الفنون والثقافة كما هي الأفعال الديمقراطية حقوق وليست مزايا، والسعي للمطالبة بها يظل ملحاً ومطلوباً مهما ازدادت الصعاب.
في المقابل وأمام إصرار هذا الجيل تكاثرت وتطورت أشكال المنع والقمع والترهيب، وتوسعت أطر استهداف الفنانين والفنانات والناشطين والناشطات بأشكالٍ متعددة من التهديد المباشر لحياتهم وممارساتهم الفنية، والاعتقال والسجن، والمنع من السفر، إضافة إلى الإساءة إلى السمعة، والاستهداف المباشر والتضييق الاقتصادي، والاستفادة من أطر الرقابة للتحريض المباشر والذي كان يصل حد القتل.
لكل الأسباب التي ذكرت سابقاً كان هناك حاجةٌ من قبل قطاع الثقافة والفنون للعمل على تعزيز سلامة وحماية الفنانين والفنانات ومنتجي ومنتجات الفنون بوصفهم/ن مساهمين ومساهمات في حماية الحريات العامة. وضمن هذا الإطار تأتي جهود المؤسسات الأربعة: المورد الثقافي، اتجاهات – ثقافة مستقلة، أفلامنا، وبرنامج دعم الفنانين المعرّضين للخطر والتي أطلقت منذ سنوات برامج واستجابات تعمل على هذا المجال.
تعمل هذه المؤسسات إضافة إلى أطر برامجها التي تعنى في حماية الفنانات والفنانين التي تم ذكرها على مناصرة جهود حماية حرية التعبير وحماية الفنانين والفنانات المعرّضين والمعرّضات للخطر في المنطقة العربية، من خلال توسيع وتعزيز الجانب الحقوقي للممارسات الثقافية وتحرص أن يأخذ عملها جانباً تكاملياً في الجهود والخبرات، وفي هذا السياق تأتي جهود إنتاج نسخةٍ عربية من هذا الدليل لإتاحة معارف موثوقة عن حماية وأمن الفنانين والفنانات وتوفير موارد سهلة يمكن التعلّم منها، إضافة إلى الربط بين أسئلة السلامة والحماية في المنطقة العربية والعالم.
ومن هنا كان خيار العمل على النسخة العربية من الدليل هو مزيج من الترجمة والتعريب والذي يظهر في المقابلات التي تم إعدادها وتحريرها بشكلٍ خاص للنسخة العربية والتي تقدم مجموعةً من الشهادات عن خبرة فنانين وفنانات هذه المنطقة، والذي صار ملحاً تشاركها ضمن أطرٍ تتعدى جغرافيا وسياق هذه المنطقة طالما يستمر العالم في المضي بالاتجاه الخاطئ.
خلال سنوات عملنا على سؤال الحماية والسلامة انطلقنا من حقيقةٍ مفادها أننا نحن بحاجة إلى العاملين والعاملات في مجال الفنون والثقافة أكثر من حاجتهم/ن إلينا، وحرصنا على الدوام على أن نذكّر أنفسنا بهذه الحقيقة كمدخلٍ لتعزيز الجهود حول وضعية الفنانين والفنانات في المنطقة العربية. وفي هذا السياق نود أن نتشارك عدداً من الملاحظات:
- إن الأخطار التي يختبرها الفنانون والفنانات والعاملون والعاملات في الثقافة تتسم على الدوام بتراكب مستوياتٍ عدّة ضمنها، ولا تأتي بشكلٍ مفرد، فقلّما وجدنا حالاتٍ يواجه فيها الفنانون والفنانات إشكاليات الرقابة أو الهجوم الإلكتروني فحسب، بل تمتدّ التحديات لتشمل صعوباتٍ أخرى، إضافة إلى مشكلات التحرّش.
- تتوجه أغلب أشكال وبرامج الحماية الدولية المصممة للمنطقة العربية من العالم إلى الكتّاب والصحفيين بينما نجد نقصاً كبيراً في تقدير حجم الأخطار التي يتعرض لها العاملون والعاملات في مجالات الفنون الأدائية والسينمائية، والبصرية.
- تعمل المؤسسات الأربعة على مستويين متوازيين في استجابتها: الأول وقائي يسعى إلى تجنيب وصول الفنانين والفنانات إلى الخطر، والثاني يعزز حماية الفنانين والفنانات المعرّضين والمعرّضات للخطر.
- رغم أن أغلب الفنانين والفنانات والعاملين والعاملات في مجالات الثقافة والفنون يتعرضون لأخطارٍ عدّة إلا أن هناك فئات تواجه أخطاراً مركبة تأتي في مقدمتها اللاجئين والفنانين المهجّرين وأفراد الميم عين+ والنساء.
- إن تراكم الأخطار في بعض البلدان العربية في العقد الماضي لا ينفي الأخطار السابقة التي تنتشر فيها منذ عقود، وفي هذا السياق نود أن نشير إلى الأوضاع الخاصة للفنانين في فلسطين والذين يواجهون إضافة إلى الاحتلال، القمع من قوى محلية.
- إن تراكب الأخطار في المنطقة العربية وتزاحمها لا ينفي ألا يكون الفنانين الذين انتقلوا إلى مناطق أخرى من العالم قد صاروا بموضع أمانٍ، وخاصة ممن لم تتم تسوية أوضاع لجوئهم/ن أو إقاماتهم/ن أو لا يزالون ضمن مسار انتظار الحصول على إقاماتٍ جديدة.
نأمل أن تساهم النسخة العربية من دليل سلامة الفنانين والفنانات بزيادة الوعي بأهمية مناصرة وحماية الفنانين والفنانات كوننا بحاجة إلى مساهمتهم وأفكارهم ومعارفهم وشغبهم، وحرصهم على الاستمرار بتذكيرنا أنه رغم تكاثر التحديات في هذه المنطقة إلا أن العالم بحاجة إلى خبراتها وقصصها لمواجهة سرديات الظلم التي تزداد اتساعاً شمالاً كما جنوباً.
تم إنجاز هذا المشروع بدعم من المجلس السويدي للفنون والذي يستفيد منه مؤسسة المورد الثقافي واتجاهات – ثقافة مستقلة بالشراكة مع أفلامنا والتعاون مع برنامج دعم الفنانين المعرضين للخطر بدعم من مؤسسة آندي وارهول للفنون البصرية.