في ليلة من ليالي أكتوبر/تشرين الأول 2019، وأثناء حظر التجول الذي فُرض على مدينة سانتياغو في شيلي أثناء المظاهرات الوطنية التي نُظمت من أجل المطالبة بالعدالة الاجتماعية، قامت مغنيّة الأوبرا أيلين يوفيتا روميرو بالاحتجاج سلمياً، فغنّت من نافذتها أغنية El derecho de vivir en paz، أي «الحقّ في العيش بسلام»، وهي الأغنية التي اشتهر بها المغنيّ فيكتور يارا قبل مقتله، في أعقاب الانقلاب العسكري عام 1973.

ضمّنتُ هذا المثال في التقرير السنوي حول المدافعين عن الحقوق الثقافية (CRDs) الصادر بتاريخ مارس/آذار 2020، وذلك ضمن مهاميّ كمقرّرة خاصّة للأمم المتحدة في مجال الحقوق الثقافية، باعتبار هؤلاء الناشطين مدافعين عن حقوق الإنسان وفقاً للمعايير الدولية.

وقد أردت بمشاركتكم هذه القصة أن أوضح بعض الطرق التي يمكن للفنانين من خلالها تحديّ الظلم وإعطاء الأمل للآخرين في الأوقات العصيبة. يعزّز الفنانون من خلال أعمالهم القدرة على الوصول إلى الثقافة وإلى الاستجابات الإبداعية في مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان والنزاعات. وحتى الآن، لم ينلَ الفنانون وغيرهم من المدافعين عن الحقوق الثقافية ما يكفي من الاعتراف بهم كمدافعين عن حقوق الإنسان، وبالتالي فإنهم لا يحصلون على الحماية الكافية عندما يعرّضهم عملهم للخطر في جميع أنحاء العالم.

على مدى السنوات القليلة الماضية، أتيحت لي الفرصة، في كثير من الأحيان، أن أتعاون في قضايا كهذه مع برنامج دعم الفنانين المعرّضين للخطر (Artists at Risk Connection – ARC)، فقد نظّمنا اجتماعات للخبراء ومجموعة من البرامج العامة، وعملنا مع شركاء آخرين في مجال الدفاع عن الفنانين المضطهدين.

كما نسّق برنامج ARC تصريحات مشتركة مع مجموعة من منظمات المجتمع المدني الأخرى الملتزمة بهذه القضايا في مجلس حقوق الإنسان كدعم لولاية الحقوق الثقافية. وقد ساهمت كلّ هذه الأنشطة مساهمة كبيرة في العمل على الحقوق الثقافية داخل منظومة الأمم المتحدة. ومن خلال اجتماعات أصحاب القرار التي ساعد ARC في تنظيمها، لعب هؤلاء أيضاً دوراً هاماً في بناء تحالف لمنظمات المجتمع المدني للدفاع عن الحقوق الثقافية لمجموعات مختلفة، وبضمن ذلك النساء والأشخاص ذوو الإعاقة وشعوب السكان الأصليين والأقليات وأفراد الميم عين+.

امتلك برنامج ARC، من خلال الفهم الشامل لكلٍّ من حقوق الإنسان والمجالات الثقافية وتقاطعاتها، قدرةً ممتازة على لعب دور المحفّز على التعاون، والمساعدة في إثارة الوعي على المستوى الدولي فيما يخصّ الحقوق الثقافية مثل الحرية الفنية.

لذلك فإنه من دواعي سروري أن أقدّم دليل السلامة للفنانين كأداة حيوية تساعد الفنانين على الوصول إلى المساندة اللازمة لمواجهة المخاطر التي تتعرّض لها حقوقهم الإنسانية. وعلى غرار الأدلّة المماثلة المخصّصة للصحفيين وغيرهم من المدافعين عن حقوق الإنسان، يقدّم هذا الدليل أداةً بالغة الأهمية لأولئك الذين يعملون من أجل الدفاع عن حقوقهم وعن حقوق الآخرين في مجال حرية التعبير الفني.

يشهد مجال مساندة الفنانين تطوراً مستمراً مع ظهور برامج جديدة، ومع استمرار الفنانين في المشاركة في المناقشات المتعلقة بالدفاع عن حقوق الإنسان. وبالتالي، يفتح هذا الدليل المهمّ نافذة على هذا المجال ويساعد الفنانين على تطوير استراتيجيات التغلّب على الاضطهاد.

لقد خصّصتُ جزءاً كبيراً من عملي، كمقرّرة خاصة، لفهم احتياجات المدافعين عن الحقوق الثقافية وللدفاع عن الخطوات التي ينبغي اتخاذها لضمان حمايتهم. إن هذا الدليل يقدّم مجموعة أدوات مفهومة للاستراتيجيات العملية في مواجهة المخاطر. ولذا فإنني متأكدة من أنه سيكون مهمّاً للمضيّ قُدُماً في مجال سلامة الفنانين في جميع أرجاء العالم. كما آمل أن يساعد في شدّ انتباه الحكومات والآليات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني بشكل عام إلى المخاطر التي يواجهها الفنانون، وبذلك يساهم في ضمان أن يكون أيّ شخص مثل فيكتور يارا أو مثل أيلين يوفيتا روميرو قادراً على إنجاز عمله بسلام، أيّاً كان البلد الذي يقيم فيه.

كريمة بنون
المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة في مجال الحقوق الثقافية (2015 – 2021)
ديسمبر 2019

هل تحتاج إلى مساندة؟

يقدّم برنامج “كن مع الفن” دعماً للفنانين والفاعلين الثقافيين المعرّضين للخطر في المنطقة العربية، وباب التقدّم مفتوح طوال العام.