القسم الرابع: توثيق المخاطر

من الصعب تجنبّ المخاطر رغم الاحتياطات التي يمكن أن تتخذها، لذا عليك أن تكون مستعدّاً قدر المستطاع لمواجهتها، وذلك بتحليل التهديد وتقييم طبيعته.

يقارب هذا القسم بالتتابع درجات الخطر بدءاً من الخطر من النوع غير الفيزيائي، بما في ذلك التحرش اللفظي والإلكتروني، وصولاً إلى السجن والتعذيب.

تحليل المخاطر: ما هي طبيعة المخاطر التي تحيق بك؟

لأن الفنانين يمكن أن يواجهوا مخاطر صادرة عن العديد من المرتكبين ولأسباب عديدة، فمن المهم أن تفهم طبيعة المخاطر التي تحيق بك76. يمكنك القيام بذلك بطريقة أسهل من خلال التآلف مع أنواع المخاطر التي يتعرض لها الفنانون الآخرون.

يتطلب مثل هذا التقييم أن تطرح على نفسك عدداً من الأسئلة من ضمنها ما يلي:

  1. ما هو مصدر المخاطر؟ من يسبب المخاطر؟ هل هي جهة حكومية أم غير حكومية؟
  2. لماذا تم تعريضك للمخاطر؟
  3. كيف تتلقى المخاطر؟ هل هناك أي شيء يمكنك فعله فوراً للحدّ من قدرة من يرتكب ذلك ضدك؟
  4. ما هي المخاطر؟ هل يمكن أن تتصاعد؟ إذا كان الأمر كذلك، فكيف؟
  5. هل كان هناك نمط معين من المخاطر يتكرر مع مرور الوقت؟
  6. من الذي يواجه المخاطر: أنت فقط، أم عائلتك أيضاً؟ زملاؤك أو فنانون آخرون يعملون في مواضيع مماثلة؟
    • هل هناك أي شخص آخر تعرفه أو تعرف أنه تعرض لمخاطر مماثلة؟
    • ما هو احتمال أن تتحقق تلك المخاطر، أو أن يكون بالإمكان تحقيقها؟
  7. إذا كانت المخاطر صادرة عن فاعل غير حكومي فهل هناك إمكانية للحماية أو للتعويض من الشرطة أو من السلطات؟ أم سوف تنطوي مشاركة سلطات إنفاذ القانون على إثارة تحديات أكبر؟

ستسهلّ لك الإجابة على هذه الأسئلة تحديد أنواع المساندة التي عليك البحث عنها، كما يمكن أن تساعدك أيضاً من خلال إرشادك نحو الأمثلة السابقة لفنانين تعرضوا للخطر، والتي قد تشكل خارطة طريق لك.

بعد القيام بتحليل للمخاطر، يجب أن تكون أولى أولوياتك توثيق هذه المخاطر التي تواجهها حيثما وأينما كان ذلك ممكناً. عند تقييم قضيتك، أول ما يطلبه منك المحامي أو المختص في مجال حقوق الإنسان الذي يحاول مساعدتك هو دلائل متينة وكاملة ومناسبة على أنك تعرضت للخطر. كلما كانت المعلومات التي تستطيع أن تقدمها أكثر، كلما كانوا قادرين على تقييم حالتك بسلاسة، وتفعيل وصولك إلى المساندة.

توثيق التحرش الإلكتروني

توثيق التحرش الإلكتروني أمر مهم جداً من أجل التصدي له. يتيح الاحتفاظ بجميع الأدلة إنشاء سجل بما حدث، وتتبع المعلومات المتاحة عن المرتكبين، كما ينبهك أنت والآخرين إلى أنماط التحرش وتصعيده.

وفي حين أن حفظ الروابط التشعبية وأخذ لقطات الشاشة للرسائل الإلكترونية المسيئة وللبريد الصوتي وللنصوص على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يجعلك تعيش من جديد الأذى الذي حصل لك، فإن مثل هذا التوثيق هو خطوة ضرورية – بل وشرط أساسي لتنبيه صاحب عملك، أو الإبلاغ عن انتهاك لإنفاذ القانون، أو اتخاذ الإجراءات القانونية77.

تأكدّ من حفظ جميع الأدلة المهمة وليس فقط المعلومات التي تعطي عنك صورة إيجابية. على سبيل المثال، إذا كنت قد ساهمت في حوار هجومي أو حاد عبر الإنترنت تخطط لتوثيقه، فستعزز مصداقيتك إذا قمت بتضمين جوانب التبادل هذه جنباً إلى جنب مع باقي المعلومات.

قد تستغرق عملية التوثيق وقتاً طويلاً، وقد تكون استنزافية ومؤلمة، لذا فكرّ بالاستعانة بحليف تثق به لمساعدتك. إضافة إلى أن الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب قد جعلت من التقاط صورة للشاشة عملية سريعة تتم بنقرتين.

بعد أن تأخذ لقطات الشاشة، يجب عليك حفظها كلها في مجلدات يسهل الوصول إليها.

إذا كان التحرش الإلكتروني متكررّاً أو متواصلاً أو خطيراً، فكر بإنشاء سجل لتسجيل معلومات محددة، بما في ذلك ما يلي:

  • التاريخ والوقت
  • نوع الاتصال الإلكتروني (رسالة مباشرة، صورة منشورة، تعليق على وسائط الاتصال الاجتماعي، إلخ.)
  • اسم المنصة
  • أية معلومات جغرافية متاحة
  • طبيعة الحادث عبر الإنترنت (مخاطر ممارسة العنف الجنسي، أو هجوم بدوافع عنصرية، وما إلى ذلك)

الحظر والكتم والإبلاغ

تحتوي منصات الوسائط الاجتماعية على عدد من الأدوات المدمجة، مثل الحظر والكتم والإبلاغ. وهي تساعد المستخدمين على الرد على إساءة الاستخدام.

حظر المتحرش سيمنعك أنت والمتحرش من التواصل ومشاهدة محتوى بعضكما البعض. ويسمح لك كتم الصوت بإخفاء محتوى مسيء محدّد — ولكن عنك فقط.

رغم فائدة الحظر والكتم، إلا أنهما يتضمنان بعض العيوب. فحظر المسيئين يسمح لهم بمعرفة أنهم حُظروا، وهو ما يمكن أن يستفزهم ويصعدّ الإساءة. ويمكن أن يخفي كتم الصوت التصعيد أو الأساليب الضارة الأخرى عنك، ولكن إخفاء طبيعة التحرش الكاملة ومداها يمكن أن يجعل من الصعب عليك تقييم المخاطر.

من جهة أخرى، ما يمكن أن يساعد هو الطلب من حليف موثوق مراقبة الرسائل أو الإشارات المرتبطة باسم المستخدم الخاص بك. أخيراً، بمجرد قيامك بتوثيق المحتوى المسُيء، تأكد من الإبلاغ عنه للمنصة مباشرةً.

يوفر «الدليل الميداني للتحرش الإلكتروني» الذي أصدرته منظمة القلم/أميركا (PEN America) معلومات أكثر تفصيلاً حول الحظر وكتم الصوت، إضافة إلى الإبلاغ عن المحتوى المسيء.

توثيق التحرش اللفظي والتهديدات

هناك عدد من الخطوات يمكنك اتخاذها لتوثيق التحرش اللفظي مثل خطاب الكراهية والمخاطر الناجمة عن العنف الجسدي أو مخاطر الموت. إذا تلقيت ما يشعرك بوجود مخاطر لفظية عبر الهاتف، فتأكد من القيام بما يلي متى كان ذلك ممكناً:

  • سجلّ وقت وتاريخ المكالمات
  • سجلّ أرقام الهواتف
  • احفظ رسائل البريد الصوتي
  • سجل واحفظ المحادثات إن أمكن ذلك. وإن لم يكن ذلك ممكناً، فقم بتدوين محتوى المحادثة

يمكن أن يكون تلقي التحرش اللفظي المستمر عبر الهاتف أمراً مرهقاً ومخيفاً على الصعيد الانفعالي. نوصي بشدة بتوثيق هذه المخاطر عندما يكون ذلك ممكناً، ولكن إذا وصلت إلى نقطة تشعر فيها بالحاجة إلى إيقاف تلك المكالمات، يمكنك حظر المتصل. ومع ذلك، نؤكدّ على أنه لا يجب عليك اتخاذ هذه الخطوة إلا بعد توثيق التحرش بطريقة ما.

توثيق التحرش الجسدي والاعتداءات

التعرض إلى اعتداء جسدي يمكن أن يكون أمراً مرعباً ومنهكاً نفسياً وجسدياً. وقد يبدو توثيق الاعتداءات بعد وقوعها وكأنه آخر ما تريد القيام به. ومع ذلك، فإن إرغام نفسك على اتخاذ بعض التدابير ككتابة تاريخ ووقت الحادثة والتقاط صور لنفسك قد يخفضّ كثيراً احتمالية تكرار ما تعرضت له ويزيد من احتمالية المساندة الناجحة.

كما هو الحال مع جميع أشكال المخاطر، تأكد من أن تحتفظ بسجل لوقت حدوث الاعتداء، وتسجيل التاريخ والوقت والمكان، والطريقة التي حصل بها والدافع إن كان تحديد الدافع ممكناً.

إذا خلفّ الاعتداء الجسدي آثاراً ظاهرة على جسدك، ننصحك بشدة أن تلتقط الصور لنفسك، وأن تسجل تاريخ ووقت التقاطها، وأن تخزنّ تلك الصور في مكان آمن يسهل الوصول إليه.

تحذير: يجب عليك أيضاً اتخاذ بعض الإجراءات — على أن تكون آمنة قدر الإمكان — لتوثيق هوية الجناة. إذا كان من الممكن التقاط الصور، فهذا أفضل، لكننا ننصح بشدة ألا تقوم بذلك إذا كان من الممكن أن يؤدي ذلك إلى استفزاز الجناة.

عوضاً عن ذلك، إذا تعرضت لاعتداء جسدي، يجب التأني بعد ذلك لتدوين جميع التفاصيل التي يمكنك أن تتذكرها والتي تتيح لك التعرف على المعتدين بما في ذلك حجمهم ومظهرهم وأصواتهم وعدد الأشخاص الذين كانوا حاضرين وما قالوه.

يمكن أن تأتي الاعتداءات الجسدية في بعض الأحيان من أفراد الشرطة وموظفي الدولة أنفسهم. أي دليل عن سوء معاملة الشرطة، بما في ذلك الأدلة الفوتوغرافية، يجب أن يوثق بمجرد الإفراج عنك وبمجرد وصولك إلى طريقة توثيق. هذه الصور يمكن أن تكون جزءاً من تقرير جنائي يمكن تقديمه في المحكمة وأمام مؤسسات القانون الدولي.

توثيق الاحتجاز والاعتقال أو السجن

تعرضك للاحتجاز والاعتقال أو السجن بسبب فنكّ قد يولّد لديك الشعور بالعجز، ولكن يمكنك اتخاذ إجراءات لتوثيق وضعك والتحكم بمصيرك. قد يتطلب توثيق الاعتقال أو السجن دعم الأسرة أو الأقران أو الزملاء، وذلك أكثر من التهديدات الأخرى التي قد تتعرض لها.

إذا ما تم احتجازك، تأكد لتوثيق ذلك من الاحتفاظ بأثر لما يلي:

  • متى وأين حدث الاحتجاز (الزمان والمكان والموقع)
  • لماذا وقع الاحتجاز — هل كانت هناك مذكرة توقيف؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، فما هو السياق والدافع لاعتقالك؟
  • من قام بالاحتجاز؟
  • هل كان هناك أي شهود؟

إذا تم اعتقالك، فابذل كل ما بوسعك لتحديد مكان اعتقالك، وكذلك مدة الاعتقال والظروف والأحداث التي وقعت أثناء اعتقالك. في بعض الأحيان قد تتعرض لاعتداء جسدي، وحتى للتعذيب أثناء اعتقالك. إذا كان الأمر كذلك، فتأكد قدر الإمكان من توثيق متى ولماذا وكيف حدث الاعتداء.

إذا وجهت إليك رسمياً في أية لحظة تهمة ما، تأكد من أنه من الممكن لك — أو لأي شخص قريب منك — الاحتفاظ بسجلات لجميع المستندات القانونية المتعلقة بقضيتك. إذا استُدعيت إلى المحكمة، دونّ كل شيء لمعرفة أية محكمة وأي قاضٍ يرأسها، ومن هم المدعّون العامون المشرفون على قضيتك. إذا صدر الحكم بحقك وسُجنت رسمياً، فتأكد من الاحتفاظ بسجلّ لعقوبتك في ملف.

لسوء الحظ، يمكن أن يكون الاحتفاظ بسجلات كهذه لنفسك شبه مستحيل أثناء تجربة الاستنزاف والإحباط الناتجة عن التنقل بين أماكن الاحتجاز وجلسات المحكمة والسجون. لكن هناك العديد من الأنظمة القانونية التي تتيح لك على الأقل بعض أشكال التواصل مع العالم الخارجي. إذا كان الأمر كذلك، تأكد من إرسال جميع المعلومات اللازمة إلى مصدر موثوق به، بما في ذلك المحامي والأقران الموجودين في شبكتك.

في بعض الأحيان، تكون هذه الاتصالات غير ممكنة أو قد يمنعها فعلياً من يعملون لصالح الدولة. في حال كهذه من المهم جداً أن تتمكن من حشد أعضاء شبكة السلامة التي لديك، وذلك ليتمكن هؤلاء من توثيق وضعك نيابة عنك (كما هو موضح في قسم «أسّس شبكة دعم»).

ضع خطة أمنية مع شبكتك

تناول معها النقاط التالية:

  • إذا تم احتجازك، فمن سيسجل المعلومات اللازمة؟
  • إذا سُجنت، فمن الذي سيقوم بمتابعة عملية سجنك، ويحتفظ بالسجلات، ويتخذ القرارات بخصوص بعض الأمور مثل إطلاق سراحك مقابل كفالة والمحامي؟
  • إذا مررت بإجراءات قضائية رسمية، فتأكد من أن يحتفظ فريقك القانوني و/أو شبكة السلامة التي لديك بسجلات لجميع وثائق المحكمة.

في حين يمكن أن يكون التنقل بين مثل هذه الإجراءات القانونية صعباً للغاية، فإن بذل الجهد للحفاظ على سجلات مفصلّة سيزيد من احتمالية الحصول على وقف التنفيذ وتحقيق العدالة لاحقاً.

كيف تكون ردة فعلك إذا تم احتجازك

يمكن أن ينتج عن الاحتجاز شعور بالإرباك والخوف والتشويش، وغالباً ما يكون هذا هو الهدف المقصود. وفي حين تختلف حقوقك من بلد إلى آخر، فإن بعض التوصيات يمكن أن تطُبقّ في جميع الحالات بشكل عام.

بادئ ذي بدء، حاول أن تحافظ على هدوئك. يمكن أن يتذرع خاطفوك بالغضب والتحديّ اللذين تبديهما لكي يعاملوك بعنف أو لكي يلصقوا بك تهماً ملفقّة. حاول ألا تجيب على أي سؤال أو توقعّ على أية وثيقة قبل استشارة محاميك أولاً.

قبل كل شيء، خذ بنصيحة ماشا أليخينا من بوسي ريوت: «اعرف حقوقك». إن كنت تعرف حقوقك قبل احتجازك، فستكون لديك فرصة أفضل بكثير للنجاة من الاحتجاز دون تعريض نفسك لمزيد من الأخطار.

ملاحظات

  1. «دليل الحماية الجديد للمدافعين عن حقوق الإنسان»، الحماية الدولية، 2009، ص. 41.
  2. «الدليل الميداني للتحرش الإلكتروني»، منظمة القلم أميركا.

هل تحتاج إلى مساندة؟

يقدّم برنامج “كن مع الفن” دعماً للفنانين والفاعلين الثقافيين المعرّضين للخطر في المنطقة العربية، وباب التقدّم مفتوح طوال العام.